خطبة حول أهمية التعداد في حياة الأمة

الخطبة الأولى
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلناه تفصيلا).
   واشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل صلى الله عليه وسلم : ( من دل على خير فله مثل اجر فاعله ) رواه مسلم .
    اللهم صل وسلم عليه وعلى اله و أصحابه الطيبين الطاهرين ومن سلك طريقهم إلى يوم الدين ( ياأيّها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ) .
أما بعد : أيها الأخوة الأحباب يقول الله تعالى في محكم الكتاب ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء و اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) .
     في هذه الآية أمر من الله للناس أن يتقوه ثم اخبر عن نفسه بأنه واحد ثم اخبر انه خلق آدم عليه السلام وهو أبو البشر وكان وحيدا في هذا الكون وخلق له حواء ليأنس بها من نفس ادم من الضلع الأيسر وفي هذا تحديد بليغ لئلا يتوهم احد أنها خلق آخر ليس من جنس ادم ثم اخبر انه كان منهما الخلق الكثير والإنسان مدني بالطبع كما قرر علماء الاجتماع فيما بعد فلا بد له من مجتمع ليعيش في ظلاله ولايمكن لهذا المجتمع أن يدوم إلا بنظام صالح محكم و إلا كانت شريعة الغاب هي السائدة ، فلابد لهذا المجتمع أن يحمي عدده من الضياع وهذا ما يرسمه لنا ديننا الحنيف ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يبين ويحدد لنا أركان الإسلام فيقول في الحديث الذي رواه ابن عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بني الإسلام على  خمس شهادة أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول عبده ورسوله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت ) رواه مسلم 0
     فهذه أركان خمس غير قابلة للزيادة والنقصان ، ومن ناحية الإيمان وهو الذي يربط الإنسان بخالقه قال سبحانه ( وإلهكم اله واحد لا اله إلا هو الرحمن الرحيم ) وهذا تحديد الإلوهية بأنه واحد لا شريك له منزه عن الصاحبة والولد سبحانه في علاه ، ويخبرنا صلى الله عليه وسلم عن عشر آيات في كتاب الله من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ ( قد افلح المؤمنون ) إلى قوله تعالى ( والذين هم على صلواتهم يحافظون ، أولئك هم الوارثون ، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون )
وعندما يتذوق الناس حلاوة الإيمان يرى ذلك محصورا في ثلاث ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وان يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وان يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) رواه البخاري عن انس بن مالك 0
ويبين لنا رسول الله ست خصال إن تخلقنا بهن دخلنا الجنة فقال : ( اضمنوا لي ستا اضمن لكم الجنة ، اصدقوا إذا حدثتم و أوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا ائتمنتم  وحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم ) حديث صحيح عن أبي امامة 0
     ومن الناس أصناف سبع يكونون في مأمن من هذه يوم القيامة وما فيه من الأهوال التي تشيب منها الولدان قال صلى الله عليه وسلم ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ) رواه البخاري عن أبي هريرة .
     وفي مجال مراقبة الله لعباده قال تعالى ( ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين ) وحصر العدد له دلالة عظيمة حتى في الرؤيا التي رآها يوسف عليه السلام وقصها على أبيه ، يحدثنا القران الكريم عنها وعلى لسان يوسف عليه السلام والله يقصها على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم للعبرة فقال : ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القران وان كنت من قبله لمن الغافلين ، إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رايتهم لي ساجدين )
    أيها الأخوة الأحباب ليس التعداد بجديد علينا بل كان لليمن السبق الأعظم في تحديد عدد وفد كل قبيلة من القائل التي تذهب إلى الرسول للمبايعة أو حاملة معها الصدقات . تحكي لنا كتب السيرة أن وفد ( تجيب ) وهي قبيلة من كندة كانوا ثلاثة عثر رجلا معهم صدقات أموالهم التي فرضها الله عليهم فسر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وأكرم منازلهم وقالوا يارسول الله إنا سقنا إليك حق الله في أموالنا فقال صلى الله عليه وسلم ردوها فاقسموها على فقرائكم قالوا يارسول الله ما قدمنا عليك ألا بما فضل عن فقرائنا فقال صلى الله عليه وسلم ( إن الهدى بيد الله عز وجل من أراد به خيرا شرح صدره للإيمان ) وأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود ، وقال هل بقي منكم أحد ؟ قالوا غلام خلفناه في رحالنا فالنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على حصر العدد ولذا قال لهم هل بقي منكم أحد ؟ قالوا غلام و بذا أصبحوا أربعة عشر ولو لم يعرف عددهم لحرم الغلام من جائزة الرسول ، ولما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه إلى اليمن وعندما وصل إلى قبيلة ( همدان ) دخلت كلها الإسلام في يوم واحد و أرسل إلي الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه البشارة . قبيلة كلها  تدخل الإسلام في يوم واحد  فسجد صلى الله عليه وسلم لله شكرا لله 0
  أيها المسلمون لنعلم أن الغاية من تحديد العدد هو تنظيم شئون المجتمع في الحياة في كل زمان ومكان وهذا يشمل الأحكام التي تنظم علاقة الإنسان بخالقه ومجتمعه وأهمية هذا الإحصاء ليس فلسفة الإنسان أو نتيجة علمه الذي تعلمه لا ، ولكن الذي وضعه لنا هو الخالق سبحانه وتعالى في كتابه المبين فقال ك ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين ) . والحق سبحانه وتعالى مهتم بشؤون خلقه فقال ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدّهم عدّا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) و إتمام هذا الإحصاء من الوفاء بالعهد فقال ( و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا ) .
      أيها الأخوة المسلمون إن الأمة لها أن تعرف أن الاهتمام بالإحصاء له مهمة عظيمة يعود نفعها على الجميع وخاصة المحتاجين فحين نقوم بتوزيع الصدقات إلي من نؤديها يرشدنا العليم الخبير على أصناف ثمانية هم بحاجة دون غيرهم ويحصرها فيهم بقوله تعالى ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم  وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم )
وهذا الإحصاء من التعاون على البر والتقوى ومن باب تقديم النصح لله وللرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ولأئمة المسلمين ولعامتهم ، فاللدولة واجب علينا وهي طاعتهم في القيام بالتعداد العام ومعاونة لجان التعداد وتقديم المعلومات الصحيحة لهم حتى نحصل على الخير في الدنيا والآخرة .
     أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والتائب من الذنب حبيب الرحمن .00000    
    

الخطبة الثانية:
      الحمد لله  الذي هدانا لشريعة الإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، واشهد ألا اله إلا الله القائل ( وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) .
  واشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل ( جعل الله الرحمة مائة جزء فامسك عنده تسعة وتسعين وانزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه )
  اللهم صل وسلم عليه وعلى اله و أصحابه ومن سلك طريقهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين
أما بعد :
    أيها الأخوة الكرام ما زلنا نتحدث عن أهمية الإحصاء والتعداد وأهميته للشعوب وحضارتها على ضؤ الكتاب والسنة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ففي كتاب الله يحدثنا عن أصحاب الكهف لنقف على أخبارهم ولولا أن القران أوقفنا عليها ما عرفنا عنهم شي قال تعالى ( ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا قل الله اعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به واسمع مالهم به من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا )
  كما حذرنا من النار وخزنتها نسال الله السلامة منها فيقول : ( وما أدراك ما سقر  لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر )
    أما السنة المطهرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أحصوا لي اليهود وقال : أحصوا كل من قال لا اله إلا الله
 وفي غزوة بدر الكبرى كم كان عدد المسلمين كان ثلاثمائة وثلاث عشر أو أربعة عشر مقاتلا ، وعندما نزل قريبا من بدر ركب هو ورجل من أصحابه حتى وقف على شيخ من العرب فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن قريش وعن محمد وصحبه وما يعرف عنهم فقال الشيخ : لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتنا أخبرناك فقال أذاك بذاك قال نعم فاخبره بما يعلم من أمر المشركين وبما قد سمعه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه حتى إذا فرغ من كلامه قال فمن أنتما فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحن من ماء ثم انصرف عنه فاخذ الشيخ يقول من ماء ، أمن ماء العراق ، ولما نزل  النبي صلى الله عليه وسلم أدنى مياه بدر فقال لأصحابه أشيروا علي في المنزل فقال الحباب بن المنذر يارسول الله إنا عالم بها وبقلبها إن رأيت أن نسير إلى قلب قد عرفناها فهي كثيرة المياه عذبة فننزل عليها ونسبق القوم إليها ونغور ما سواها من المياه وساء المشركون سراعا يريدون الماء وبعث عليا وسعدا والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر فقدموا بعبدين لقريش ورسول الله قائم يصلي فسألهما أصحابه من أنتما فقالا نحن سقاة لقريش فكره ذلك أصحابه وودوا لو كان لعير بي سفيان فلما سلم الرسول صلى الله عليه وسلم قال لهما : أخبراني أين قريش ، قالا : وراء هذا الكثيب ، فقال : كم القوم ؟ فقالا : لأعلم لنا ، فقال : كم ينحرون كل يوم ؟ قالا : يوما عشر ويوما تسع ، فقال : إن القوم مابين تسعمائة إلى ألف . وهذا يدل على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بما ينحرون وعن طريق ما ينحرون وصل إلى عدد المشركين ولما بدأت المعركة ورأى المسلمون عدد المشركين وكثرتهم طلبوا من الله الغوث فأمدهم سبحانه بالملائكة وبين عددهم لتطمئن قلوبهم فقال : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين )
  وفي مجال الجندية اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بتسجيل أسماء الجند في كل غزوة من غزواته لأسباب منها توزيع الغنائم على الجنود دون غيرهم كما حدث في غزوة حنين عندما غنم المسلمون هذه الغنائم العظيمة وهي من السبي ستة آلاف رأس ومن الإبل أربعة وعشرون ألفا والغنم أكثر من أربعين ألفا وأربعة آلاف أوقية فضة ونقلت كلها في حراسة قوية إلى الجعرانة 0
     فلو كان عدد الجند مجهول لما استطاع أن يقسم هذه الغنائم بين الأحياء والشهداء ولكنه صلى الله عليه وسلم كان دقيقا في تسجيل الجنود حماية لأسر الشهداء من حيث كفالتهم هكذا كان اهتمامه بالإحصاء صلى الله عليه وسلم 0
  وفي الغزوات التي لم يشهدها صلى الله عليه وسلم كان يعقد الألوية لقواده كما فعل في غزوة مؤتة ، كان عدد الجيش ثلاثة آلاف مقاتل واللواء فيها كان لزيد بن حارثة وأمره بالزحف إلى مؤته وقال : إن أصيب فاللواء لجعفر بن أبي طالب وان أصيب جعفر فعبدا لله بن رواحة رضي الله عنهم أجمعين . وعمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما تولى إمارة المسلمين عمل على تدوين الدواوين وسجل أسماء الجند لان أصحاب النبي رضي الله عنهم نفذوا أوامر الله عندما قال تعالى في محكم التنزيل ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) 0